التصنيفات
صحة ورعاية الطفل

كيف تتصرف مع الطفل الذي لا يريد الذهاب الآن

القهوة مريحة والحديث ممتع وآخر ما تودون فعله هو الاضطرار لمغادرة ساعة الغداء السعيدة والسارّة. وهذا تماماً ما يشعر به ولدكم الصغير البالغ من العمر ثلاث سنوات عندما يحتجّ على فكرة مغادرته المنتزه العام أو منزل صديقه. لذلك وبدل أن يتوقّع الأهل منه التعاون الفوري معهم، ينبغي عليهم اعطائه بعض الوقت ليستعدّ ويعتاد على هذه الفكرة نفسياً من خلال بدئهم بعمليّة التوديع قبل دقائق من الوقت الذي ينبغي عليهم المغادرة فيه، إذ إن ذلك سيساعده على التأقلم مع فكرة أن العالم لا يسير دائماً بحسب برنامجه أو بحسب ما يشتهي.

بعض النصائح المفيدة

ينبغي على الأهل أن يشرحوا لأولادهم الطريقة المحددة التي ستجري بموجبها الأمور عندما يحين موعد الرحيل، وذلك لكي يعرفوا ماذا يتوقّعون. فينبغي عليهم أن يقولوا لولدهم مثلاً، “سأخبرك عن موعد الرحيل قبل خمس دقائق من حلوله، فيكون لديك ما يكفي من الوقت لكي تودّع الاصدقاء وترتدي معطفك وتستعدّ للرحيل”.

●    ينبغي على الأهل، وفيما هم يستعدّون للرحيل، أن يساعدوا أولادهم في إتمام بعض المهمّات الأساسيّة والضروريّة، كأن يساعدوهم مثلاً في ارتداء معطفهم، وتوضيب الألعاب، والذهاب إلى الحمام وهلما جراً.

●    إن تعليقات الأهل معديّة وكذلك مواقفهم؛ لذا ينبغي على هذه الأخيرة أن تكون دائماً إيجابيّة، وذلك بغيّة تشجيع أولادهم على التعاون عند حلول موعد الرحيل.

حديث الأهل لأنفسهم

ينبغي على الأهل ألاّ يقولوا لأنفسهم إنه:

“لا يمكنهم أن يحتملوا تحدّي أولادهم لهم”.

فنحن عموماً عندما نقول بيننا وبين أنفسنا أننا عاجزون عن احتمال شيء أو وضع معيّن، ينشأ في داخلنا شعور باليأس والإحباط، الأمر الذي من شأنه أن يحول دون تمكّننا من العثور عن حلول خلاّقة وبنّاءة لمشاكلنا. وبالتالي فإن اعتراف الأهل لأنفسهم بعجزهم عن تحمّل تحدّي أولادهم قد يتسبب لهم بالغضب والإحباط، الأمر الذي قد يثبّط من عزيمة أولادهم على التعاون معهم.

إنما ينبغي عليهم أن يقولوا لأنفسهم عوضاً عن ذلك:

“بإمكاني أن أتدبّر أمري مع حاجة ولدي إلى الإستقلاليّة واتخاذ قراراته بنفسه”.

الأهل أحرار في اختيار الطريقة التي تعجبهم في التعاطي مع سلوك أولادهم. فنحن عندما نقول إننا قادرون على القيام بشيء معيّن تزداد ثقتنا بأنفسنا وتروح بالتالي عواطفنا الإيجابيّة الناجمة عن ذلك تفتّح أذهاننا على حلول عديدة ومتنوّعة. وكذلك الأمر أيضاً بالنسبة إلى الأهل، إذ إنهم في حال شعروا بالأمل والتعاطف مع أولادهم، فسيصبح بالتالي تفاعلهم معهم إيجابياً وبنّاءً، وهذا أمر في غايّة الأهميّة في حال كانوا يسعون إلى حثّ أولادهم على التعاون معهم.

ينبغي على الأهل ألاّ يقولوا لأنفسهم:

“سيظن هؤلاء الناس أننا أهل غير صالحين”.

فنحن عندما نتصوّر أن الناس يظنون أننا أهل غير صالحين، نبدأ بتصديق ذلك، الأمر الذي قد يحول دون تمكّننا من إيجاد طرق بنّاءة نلجأ إليها في تعاطينا مع سلوك أولادنا. لذا نحن ننصح الأهل هنا بألاّ يقلقوا بشأن ما لا يعرفونه ولا يستطيعون ضبطه، كأفكار المحيطين بهم وآرائهم فيهم مثلاً.

إنما ينبغي عليهم أن يقولوا لأنفسهم عوضاً عن ذلك:

“ليس هدفنا التأثير في الناس أو ترك أيّ انطباع قويّ عنا لديهم”.

ويتعيّن هنا على الأهل أن يتذكروا دائماً الهدف البعيد الأمد من مساعدة أولادهم على تعلّم كيفيّة التعاون مع الآخرين من خلال تحمّلهم عاملي التغيير والإحباط، إذ إن هذا في الواقع ما قد يساعدهم على معالجة مسألة عدائيّة أولادهم معالجة إيجابيّة وفعّالة.

ينبغي على الأهل ألاّ يقولوا لأنفسهم:

“إنه يثير غضبي إلى حدّ الجنون! لا أدري ما أفعل في حال لم يطعني واستعدّ للرحيل الآن!”

ليس سلوك الطفل أو الولد هو الذي يغضبنا، إنما ما نفكّر به إزاء سلوكه هذا. فنحن إن طلبنا من أولادنا أموراً لا يمكننا ضبطها أو التحكّم بها، كأن نطلب منهم أن يتعاونوا معنا مثلاً، فمن المحتمل جدّاً أن يثير هذا غضبنا. فالولد في الحقيقة غير قادر على اتّخاذ سوى قرار واحد فقط، وهو أن يتّبع التوجيهات والتعليمات؛ لذا ينبغي علينا كأهل أن نعلمه كيفيّة اتخاذ هكذا قرار.

إنما ينبغي عليهم أن يقولوا لأنفسهم عوضاً عن ذلك:

“لن أطلب من ولدي أن يتعاون معي، إذ لن يؤدّي هذا إلا إلى إثارة غضبي”.

لا يؤدّي الغضب سوى إلى الحؤول دون تمكّننا من حلّ المشاكل التي تواجهنا بتفهّم وتعاطف. وبالتالي فإن تفكير الأهل بأنهم قد يودّون لو يتعاون أولادهم معهم قد يفتح أذهانهم على طرق وأساليب خلاّقة ومبدعة من شأنها أن تحثّ هؤلاء على التعاون معهم.

حديث الأهل إلى أولادهم

ينبغي على الأهل ألاّ ينتحبوا ويقولوا لأولادهم:

“لماذا لا تفعل أبداً ما أقوله لك؟ فأنت لا تكتفي أبداً، حتى لو بقينا هنا اليوم بطوله!”

قد يشير هذا التهجّم من قبل الأهل على أولادهم إلى وجود ثمّة خللٍ في شخصيّة الأولاد، لا إلى نموّ هؤلاء ورغبتهم الطبيعيّة في اتّباع أهوائهم وبرنامجهم الخاص.

إنما ينبغي عليهم عوضاً عن ذلك أن يقدّموا لهم التوجيهات، كأن يقولوا لهم:

“سنذهب بعد خمس دقائق. فلنبدأ الآن بتوضيب الألعاب”.

اذ إنهم وبتذكير أولادهم بموعد الرحيل بطريقة لطيفة، يسمحون لهم بأن يُنهوا نشاطاتهم ويستعدوا للتغيير الذي أصبح على وشك الحدوث.

ينبغي على الأهل ألاّ يهددوا أولادهم ويقولوا لهم:

“لا تقولي لي لا، يا آنسة! إنتبهي، وإلاّ فسأضربك!”

إن الأهل وبتهديد أولادهم بضربهم لا يعلّمونهم سوى أنهم أكبر وأكثر قوة منهم، وأن العنف هو وسيلة مقبولة لكي نحصل على ما نريد من الأشخاص الأضعف والأصغر منّا سنّاً.

إنما ينبغي عليهم أن يتعاطفوا معهم ويقولوا لهم:

“أنا أعلم أنك لا تريد الذهاب الآن، إنما يتعيّن علينا أحياناً القيام ببعض الأمور حتى ولو كانت لا تعجبنا”.

فالأهل وبتفهّم أولادهم ووضع أنفسهم في مثل وضعهم وحالتهم يظهرون لهم أنهم يؤيّدون مشاعرهم ويثيرون بالتالي حماستهم على التعاون معهم. وعلاوةً على ذلك، فإن هذه الطريقة تسمح للأهل بأن يحتفظوا بأهدافهم نصب أعينهم: الثبات على البرنامج نفسه وتعليم الولد كيفيّة التغلّب على خيبات الأمل.

ينبغي على الأهل أن يبتعدوا قدر الإمكان عن الوشي والثرثرة، وألا يقولوا لأولادهم:

“إنتظر حتى أخبر والدك كيف أنك تعذبني ولا تتعاون معي. فهو لن يكون سعيداً عندما سيعرف ذلك على الإطلاق”.

إن وشايّة الأهل بأولادهم تعلّمهم أنه يُفترض بهم أن يهابوا والديهم وأنه بإمكانهم أن يحصلوا على تعاون الآخرين من خلال تهديدهم بإخبار أحدهم بالأمر وجعله يغضب. كما تعلّم هذه الطريقة الأولاد كيف يثرثرون على الآخرين. فنحن عندما نقول لولدنا، “لن يكون والدك سعيداً عندما سيعرف بالأمر” نعلّمه بذلك أن حبّ والديه له مشروط. وعندما نقول إنه غير متعاون فكأننا نقول له إن أفعّاله هي التي تحدّد شخصيته. في الواقع، إن هكذا عبارات تؤثّر في الولد وتقوّض علاقتنا به.

يجب أن يأخذوا الأمور معهم بيسر كأن يقولوا لهم مثلاً:

“سأعدّ إلى العشرة وسنرى إن كنت قادراً على جلب سترتك قبل أن أنتهي من العد. جاهز؟ واحد، إثنان…”.

يمكن للأهل أن يلطّفوا الأوضاع والأجواء المتأزّمة عن طريق اللعب، إذ إنهم بذلك يحوّلون انتباه ولدهم وتركيزه من المقاومة إلى المبارزة ويحرّكونه في الإتجاه الذي يريدون. وفي حال لم ينجز الولد ما يتعيّن عليه إنجازه عند انتهائهم من العدّ، فيتعيّن عليهم أن يقولوا له عندئذٍ، “أنا آسفة، ولكنك لم تتمكن من الإنتهاء في الوقت المحدد. سأساعدك الآن على ارتداء معطفك، وعندما نصل إلى المنزل سنتمرّن جيداً على هذه اللعبة. وبهذه الطريقة ستصبح قادراً على إنجاز كل ما أطلبه منك حتى قبل أن أنتهي من العدّ”.

ينبغي على الأهل عدم رشوة أولادهم بقولهم:

“إن أتيت معي الآن يا عزيزي سنتوقف عند متجر الألعاب وسأشتري لك هديّة”.

اذ إنهم بهذه الطريقة لا يشجّعونهم سوى على الإستمرار في رفض التعاون معهم إلى أن يتمكنوا من الحصول على المكافأة الماديّة التي وعدوا بها. أما استخدام الطعام كمكافأة فمن شأنه زيادة الوضع تعقيداً، إذ إنه يربط الطعام بموافقة الأهل واستحسانهم، الأمر الذي قد يفسد نظام الولد الغذائي ويتسبب له بالكثير من المشاكل الغذائيّة.

إنما ينبغي عليهم عوضاً عن ذلك الإستعانة بنتيجة إيجابيّة كأن يقولوا مثلاً:

“الإستعداد للرحيل في الموعد المحدد يعني أنه يمكننا العودة قريباً”.

بهذه الطريقة يفهم الولد أن تعاونه هو المفتاح الذي يخوّله فعل ما يريد في المستقبل؛ وهذه في الواقع خطوة أولى مهمّة وإيجابيّة في مسيرة تعليم الأهل أولادهم كيفيّة تأجيل حصولهم على مبتغاهم كما وكيفيّة تحمّلهم الإحباط المؤقّت.

تأليف: جيري وايكوف و باربرا أونيل